لجهاد في الجزائر

Publié le par echikhasousou

بسم الله الرحمان الرحيم

الحمد لله، وصل اللّهمّ على محمد وآله وصحبه وسلّم
   
  أبو عبيدة عمّي عُمَار
«قصّة شيخ مُسِنٍّ عرفه الجهاد في الجزائر»
 

قال الله تعالى:﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.

  كم يعجز القلم أن يسطِّر كلمات لتخليد ذكرى رجال أطهار، ومجاهدين أخيار إفتقدناهم على حين غرّة...

أبطال أخفياء تركوا بصمات نيّرة و آثارًا عطرة تشهد لهم أنّهم أقدموا حيث أحجم النّاس..و صبروا والموت يرقص لهم في كل منعطف..و ثبتوا رغم استعار أتون المحنة و اشتداد عواصف الإبتلاء..

من هذا العِقْدِ الفريد..و من تلك القافلة الراحلة نتناول في هذا المقال أحد الفرسان الذين فُجعنا بهم في الأيّام الأخيرة و افتقده المجاهدون..لا لأنّه قائد بارز من قادتهم..بل لأنّه شيخ مسنٌ أحبّه كل من عرفه و أثنى عليه كل من خالطه.. ألا و هو الشيخ الشهيد:أبو عبيدة عمّي عُمَار.
 

أبو عبيدة هو من الشيوخ المسنّين الذين لم يستهوِهِمْ سيل الأعذار التي تعلّق بها المخلّفون من الأعراب ...كان بإمكانه أن يكذب على نفسه و يُقنعها بأنّ الرأس اشتعل شيباً و أنّ الشباب قد وَلَّى و أن الجسم قد هَرِمَ  و نخرته الأورام..و لكنّه سمع قوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فما تردّد و لا تلعثم..و ما جادل و لا جمجم..

كان رحمه الله من القلّة النادرة من الأبطال الذين جمعوا بين شرفين:شرف الجهاد ضدّ الفرنسيّين أيّام الإحتلال الفرنسي للجزائر... وشرف جهاد أحفادهم من المرتدِّين ممّن يسمّونهم تدليسا و كذباً "حكّام الجزائر"..

بدأ مسيرته الجهادية منذ ريعان شبابه،إبّان الثورة الجزائرية حيث التحق بصفوف جيش التحرير و كان يومها جنديّا في كتائب البطل الشهيد الشهير"سي لخضر" رحمه الله، الذي أذاق الفرنسيين الويلات و كبّدهم خسائر جسيمة..و قد شارك عمّي عمّار بنفسه في أحد الغزوات التي نفّذها "سي لخضر"لقافلة من الجيش الفرنسي  في جبل بوزڤزة حيث كبّدوا العلوج خسائر في الأرواح و العتاد و غنموا أسلحة كثيرة و ذخائر..

لم تدم فرحة الجزائرييّن كثيرا بالإستقلال الموهوم المزعوم حتّى أعاد التاريخ نفسه و انطلق الجهاد في الجزائر لإخراج أبناء فرنسا...لم يتردّد عمي عمّار كثيرا و التحق بالمجاهدين عن عمر يناهز 57 سنة..خرج من بيته مهاجرا في سبيل الله..  وطلّق الدنيا..و ترك أهله و أبناءه ليقاتل أعداء الله من أبناء فرنسا و ينصر دين الله الذي استباحوه..وكيف لا يقاتلهم و هو يرى بأمّ عينيه مبادىء أوّل نوفمبر و قد بُدِّلت...و سِجِلّ الخيانة يزداد يوما بعد يوم...و فرنسا التي قاتلها من قبل هو و إخوانه هاهي تخرج من الباب و تُدخِلُ من النافذة أبناءها و أولياءها ليكرِّسوا الإحتلال الجديد...

و قد هال عمّي عمّار أن يُحَارَبَ المسلمون في بلادهم لأجل "لاإله إلاّ الله"..و هاله ما رأى من قتل و تشريد   و سجن للمسلمين فقرّر أن يعيد حمل السلاح من جديد لأنّ الإستقلال الموهوم هو أُكذوبة و زيف ما لبث أن انكشفت بشاعته..

إختار هذا الطريق و هو طريق العزّة و الكرامة..طريق الرجال و الشهداء الذين سقوا هذه الأرض بدمائهم و هو يعلم أنّه ليس مفروشا بالورود..و أنّ فيه المصاعب و المتاعب..و رغم كبر سنّه و ضعفه إلاّ أنّه ابتغى ما عند الله طلبا لإحدى الحسنين ..النصر أو الشهادة..

لم يكتف عمّي عمّار بجهاده بنفسه،بل كان من صدقه و حبّه للجهاد أن حرّض ابنه الصغير و ألحقه بالجهاد،فكان إبنه الشاب "عبيدة" رفيقا له في درب العزّة إلى أن سقط شهيدا و أبتلي عمي عمار بفقده صائفة 2004م و قال يومها:"الحمد لله أنه قُتل في سبيل الله و لم يرتدّ عن دينه"و صبر و احتسب..

لم يترك الطواغيت عائلة عمّي عمّار و شأنهم طوال سنين جهاده..بل أُوذِيَ أهله و أبناؤه من طرفهم أشدّ الإيذاء..خاصة من طرف "الحرس البلدي"..فحاصروهم و قطعوا عنهم لقمة العيش و تحرّشوا بهم..و كان عمّي عمّار كلّما بلغته تلك الأخبار المؤلمة يشكو بثّه و حزنه إلى الله و يقول "حسبنا الله و نعم الوكيل"و كان يدعو على أولئك الطواغيت بالهزيمة والعذاب..و استجاب له ربّه فذاق كثير منهم العذاب بأيدي المجاهدين و قتلوا.

من الصفات البارزة التي اتسم بها أبو عبيدة حبّه للقتال و تحريضه المستمر للمجاهدين في المراكز..و كان يحرص عل المشاركة في القتال في الصفوف الأولى..و أشهد له يوما في أحد الغزوات أنّه بعد أن كلّفه القائد العسكري بأن يبقى مع زمرة الإسناد لسد أحد الطرق التي قد يتدخّل منها العدو راجعه عمي عمّار و قال له :لِمَ لم تضعني في زمرة الإقتحام،فبيّن له القائد أن هذا العمل استثنائي ويتطلّب السرعة و الخفّة الفائقة وأنت شيخ كبير فأقنعه بصعوبة.

و ممّا تميّز به فقيدنا أيضا حرصه على اتباع السنّة و طلب العلم و كانت همّته في ذلك همّة الشباب..و قد عودي على لحيته يوم كان في بيته من طرف كثير من الناس فصبر على ذلك حتى التحق بالجهاد فأرخى لحيته وخضّبها بالحِنَّاء و بقي بها إلى أن وافته المنيّة.

و قد عُرف عن عمّي عمّار أيضا إتقانه لطبِّ الأعشاب فكان ذو علم و خبرة بهذا الفن وكان يوصي المجاهدين بتعلّمه خاصّة في حرب عصابات الجبال،و قد شُفي على يديه كثير من الناس و المجاهدين،و قد جمع رسالة في هذا الفن وسمّاها«إرشاد الشباب إلى طِبِّ الأعشاب».

..و اليوم و بعد عشر سنين طِوالٍ بحُلوها و مُرِّها..و أفراحها و أتراحها..عاشها عمّي عمّار ما بين كرٍ و فرٍ ومطاردة مُستمرّة من طواغيت الرِدّة.. ظلّ طيلتها في جهاد مستمر متنقلا بين معسكرات المجاهدين ناصحا     و مربيّا لهم و محرِّضا إيّاهم ..ها هو اليوم و بعد تلك المسيرة الطويلة من العطاء و الجهاد يترجّل الفارس المُسِنُّ عن عمر يناهز 70 سنة..ها هو يلقى المنيّة بين إخوانه من المجاهدين على قمّة من قمم جبال الجزائر الأبيّة..

ثبتّ رحمه الله على طريق الجهاد و لم يأبه بدعاوى السِلْم الرنّانة و أصوات المصالحة الخادعة و هي تسحر عيون الغافلين و يتساقط على جنباتها المنهزمون..

كان من آخر كلماته رحمه الله كلمة بسيطة مصوّرة وجّهها للأمّة فكان ممّا قاله فيها:"الجهاد أيّها الناس لا يستلزم الموت..فكثير هم الذين يتهرّبون من الجهاد ثم يلقون حتفهم في حوادث المرور أو بالأمراض و الأوبئة أو بالزلازل و ماشابه ذلك" و قال أيضا"أدعوكم أيّها الناس للجهاد و أن لا تكتفوا بذلك فقط بل تدفعوا أبناءكم للجهاد أيضا"...

ظلّت تلك الصورة و تلك الكلمات تؤرّقني يوم بلغني نبأ استشهاده لأننّي أحسست فيها الصدق الذي افتقدناه في زمن تراكمت فيه أكداس النفاق...بِتُّ متقلِبًا تلك الليلة تتراءى في مخيِّلتي صورة عمي عُمار أقول في نفسي:تُرى لو جزء قليل من الأمّة عمل بنصيحة عمّي عُمار و دفعوا بأبنائهم للجهاد و لم يمنعوهم من ذلك الواجب هل بقينا إلى يومنا هذا نتجرّع الغصص و تدوسنا حُثالات من البشر و يستبيحنا علجٌ و لكع بن لكع...و لكن وا أسفاه ..قليل مثلك يا عمي عُمار من يجاهد بنفسه و يدفع بفلذة كبده إلى المعركة لتستطيب الأجيال من بعدكما عبير العزّة ...و تستنشق نسائم الحريّة...و تستورف ظلال الخلافة الراشدة...

فرحمك الله يا عمّي عُمار رحمة واسعة..

قلائل مثلك من بقوا على العهد و لم يبيعوا دماء مليون و نصف المليون شهيد بمتاع من الدنيا قليل...

قلائل من هم في مثل سنّك من تركوا الدنيا و متاعها و هاجروا ليجاهدوا في سبيل الله و يُعلوا كلمة الله  و النبي ّr  يقول:« من فصل في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد أو وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه  بأي حتف شاء الله فإنه شهيد وأن له الجنة»[رواه أبوداود]....

شيخ مُسِنٌّ مثلك يا عمي عُمار حُجَّةٌ في هذا الزمان على هؤلاء الشباب الذين لم يكلِّفوا أنفسهم عناء النفير لنصرة الدين..و نصرة إخوانهم المسلمين من المستضعفين..و الإسلام يستصرخهم..و إخوانهم يستنصرونهم..  و هم غارقون في الشهوات أو متعلِّلون بالشُبهات..و الأمّة تُنحر و تذبح..و الحرمات تنتهك..و الأعداء يعربدون..و الله المستعان..

و على مثلك يا عمي عمار فلْيَبْكِ المجاهدون..فقد كنت لهم كالأب لأبنائه..فلن ينسوك أبدا..و لن ينسوا تحريضك و نصحك لهم..حتى مُزاحك لهم لن ينسوه لأنّ منزلتك في قلوبهم عالية علوّ الجبال..و ستبقى ذكراك بينهم خالدة كطيف يسري بينهم يذكِّرهم:

الثبات..التضحية..الصبر..الصدق..الشجاعة..

و ستبقى أيضا جبال «بوزڤزة» و «خميس الخشنة» و «تابلاط» التي اغبرّتا بها قدماك عشر سنوات تحِنُّ إليك و تشهد عليك إلى يوم القيامة..

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمْ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.

و قال رسول الله r :«من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه».

 

وداعاً أيها البطلُ لفقدك تدمع المقلُ
"جبال جزائر" ندبت فراقك وأشتكى الطللُ
لئن ناءت بنا الأجساد فالأرواح تتصلُ
ففي الدنيا تلاقينا وفي الأخرى لنا الأملُ
فنسأل ربنا المولى وفي الأسحار نبتهلُ
بأن نلقاك في فرح بدار ما بها مللُ
بجنات وروضات بها الأنهار والحللُ
بها الحور تنادينا بصوت ما له مثلُ
بها الأحباب قاطبة كذا الأصحاب والرسلُ
بها أبطال أمتنا بها شهداءنا الأولُ
فيا من قد سبقت إلى جنان الخلد ترتحلُ
هنيئاً ما ظفرت به هنيئاً أيها البطلُ


 

Publicité
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article